ابن تيمية
61
مجموعة الفتاوى
وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ : قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ . وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ : كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ والخطابي وَغَيْرِهِمْ . وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ أَحَلُّ مِن الإِجَارَةِ بِثَمَنٍ مُسَمًّى ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَأَبْعَدُ عَنْ الْخَطَرِ . فَإِنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن العُقُودِ : مِنْهُ مَا يَدْخُلُ فِي جِنْسِ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ فِي الْقُرْآنِ وَمِنْهُ مَا يَدْخُلُ فِي جِنْسِ الْمَيْسِرِ الَّذِي هُوَ الْقِمَارُ . وَبَيْعُ الْغَرَرِ هُوَ مِنْ نَوْعِ الْقِمَارِ وَالْمَيْسِرِ فَالْأُجْرَةُ وَالثَّمَنُ إذَا كَانَتْ غَرَراً مِثْلَ مَا لَمْ يُوصَفْ وَلَمْ يُرَ وَلَمْ يُعْلَمْ جِنْسُهُ : كَانَ ذَلِكَ غَرَراً وَقِمَاراً . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا يَقْصِدُ الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ بِحُصُولِ الزَّرْعِ لَهُ فَإِذَا أَعْطَى الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ كَانَ الْمُؤَجِّرُ قَدْ حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُهُ بِيَقِينِ . وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَلَا يَدْرِي هَلْ يَحْصُلُ لَهُ الزَّرْعُ أَمْ لَا ؟ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَفِي الْحِرْمَانِ . كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ اشْتَرَكَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ اشْتَرَكَا فِي الْحِرْمَانِ وَكَانَ ذَهَابُ نَفْعِ مَالِ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ ذَهَابِ نَفْعِ بَدَنِ هَذَا .